مأساة حمام السباحة.. هل يقتل "التصميم" أم "الإهمال"؟



في يوم صيفي حار من شهر أغسطس عام 2000، تحولت لحظات المرح داخل "نادي اتحاد نقابات المهن الطبية" بمدينة نصر إلى مأساة مروعة. بينما كان الأطفال يلهون في حمام السباحة، تسرب تيار كهربائي غادر إلى المياه، ليخطف حياة طفلين في عمر الزهور (ساري وجاسر) صعقاً بالكهرباء.

أصابع الاتهام أشارت فوراً إلى المهندسين (المصمم والمشرف على التنفيذ)، وحكمت عليهم محكمة الجنايات في أول درجة حكماً قاسياً (الأشغال الشاقة 5 سنوات)، معتبرة أن "تصميم" غرفة الكهرباء قرب المسبح هو الخطأ القاتل. لكن، هل كان المهندس هو القاتل حقاً؟ أم أن هناك يداً خفية عبثت بالمكان؟

هنا بدأت معركة قانونية شرسة أمام محكمة النقض قادها المحامي القدير رجائي عطية، ليقلب الطاولة بالدفوع الفنية الدقيقة.

من وحي الدفاع (الدفوع القانونية): استند الدفاع في نقض الحكم إلى استراتيجية "فصل المسؤوليات" و"نفي رابطة السببية"، عبر الدفوع التالية:

الفساد في الاستدلال الفني: المحكمة اعتمدت على تقرير "ثلاثي" من شركة الكهرباء (غير متخصص في المسابح) قال إن قرب غرفة المحولات من المسبح "خطأ". بينما أثبت الدفاع بتقرير "لجنة خماسية" من كبار الخبراء أن التصميم سليم هندسياً ومطابق للمواصفات العالمية التي تسمح بهذا القرب طالما توافر العزل.

انقطاع رابطة السببية (تدخل فعل الغير): أثبت الدفاع أن "التصميم" لم يقتل، بل "الصيانة" هي السبب. فقد ثبت أن عاملاً (غير متخصص) قام بفتح غرفة المحولات قبل الحادث بشهر لتجفيفها، ثم أعاد إغلاقها دون وضع "العزل المزدوج" (السيليكون) كما ينص الكتالوج، مما سمح بتسرب المياه.

استغراق خطأ الغير لخطأ المتهم: دفع المحامي بأن إهمال إدارة النادي في الصيانة، والسماح لعمال "لحام" باستخدام ماكينات بأسلاك عارية قرب المسبح وقت التشغيل، هو الخطأ الجسيم الذي يستغرق أي خطأ مفترض آخر، وهو السبب المباشر للكارثة.

انتفاء التوقع: لا يمكن للمهندس المصمم أن يتوقع أن تأتي إدارة النادي بكهربائي "غير مؤهل" ليعبث بنظام الأمان المعقد الذي صممه، أو أن يتم تعطيل "قواطع التسرب الأرضي" (وسيلة الأمان الأولى).

الخلاصة والحكم: نجح الدفاع في إثبات أن "المسؤولية الجنائية شخصية" ولا يمكن إدانة المهندس الاستشاري عن أخطاء "التشغيل والصيانة" التي وقعت بعد تسليم المشروع بسنوات. وقررت محكمة النقض (في الطعن الأول) نقض الحكم وإعادة المحاكمة، مؤسسة مبدأً هاماً: أن الخطأ الفني لا يُفترض ولا يؤخذ بالظن، بل يجب أن يثبت فنياً بشكل قاطع، وأن إهمال الصيانة الجسيم يقطع علاقة السببية بين التصميم والنتيجة.

النصيحة القانونية:

للمهندسين والمقاولين: محضر "الاستلام الابتدائي" هو طوق نجاتك. تأكد من إثبات أن الأنظمة تعمل بكفاءة لحظة التسليم، وأنك سلمت "دليل التشغيل والصيانة" للمالك.

للمحامين: في قضايا الإهمال المهني، لا تكتفِ بتقرير الخبير الأول. التقارير الفنية "المتخصصة الدقيقة" (مثل اللجنة الخماسية هنا) قد تنسف التقرير الأولي العام وتغير وجه القضية تماماً.

المصدر: كتاب "حصاد المحاماة" - المجلد الثاني - للفقيه القانوني رجائي عطية (بتصرف وتلخيص).

هل لديك استفسار قانوني؟

مكتب محمد السلنتي للمحاماة مستعد لتقديم المشورة والدعم القانوني في قضاياكم.

📞 للتواصل المباشر: 01080777839 - 01222663539
📍 دمياط - فارسكور