[القصة من واقع الملفات] في واحدة من القضايا الجنائية الشائكة التي حبست الأنفاس، وقف المتهم الثاني خلف القضبان يواجه اتهاماً ثقيلاً يصل عقابه للإعدام: "القتل العمد مع سبق الإصرار".
السيناريو الذي رسمته التحريات المبدئية كان درامياً بامتياز: زوجة متهمة بالخيانة اتفقت مع عشيقها (المتهم الثاني) للتخلص من الزوج. زعمت الأوراق بيات النية، وصعود المتهم للمسكن، وتقييد الزوج "بإيشارب" ثم خنقه بحبل، وسرقة المحتويات للتمويه ليبدو الحادث سرقة.
الأدلة الظاهرية كانت تبدو دامغة وتغلق الدائرة على المتهمين؛ اعترافات مسجلة (دُفع لاحقاً بأنها وليدة إكراه)، تمثيل للجريمة بالصوت والصورة، وتحريات تؤكد وجود علاقة آثمة.
[نقطة التحول: عندما لا يكتفي الدفاع بظاهر الأوراق] هنا جاء دور الدفاع الحاضر عن المتهم، الذي لم يكتفِ بالوقوف عند ظاهر السطور في ملف القضية الملغوم، بل غاص فيما بينها باحثاً عن الحقيقة الغائبة باستخدام أدوات قانونية وعلمية دقيقة:
المواجهة بالدليل الفني (الطب الشرعي): رغم أن تقرير الصفة التشريحية الأولي أشار إلى "الخنق"، إلا أن الدفاع لم يستسلم لهذه النتيجة الظاهرية. تم الاستعانة بخبرات استشارية متخصصة من أساتذة الطب الشرعي، لتأتي المفاجأة العلمية المدوية التي فجّرها الدفاع أمام المحكمة: "الوفاة بالصورة الواردة في الأوراق مستحيلة طبياً!". استند الدفاع ببراعة إلى تقرير المعمل الكيماوي المرفق بالأوراق، والذي أثبت أن دماء المجني عليه كانت تحتوي على نسبة كحول قاتلة (نحو 3%)، وهي نسبة مميتة بحد ذاتها وتؤدي للوفاة المباشرة بالتسمم الكحولي، مما ينسف سيناريو "الخنق والمقاومة" الذي رسمته التحريات من أساسه.
هدم ركن "الدافع": وفي مواجهة زعم التحريات بأن الدافع وراء الجريمة هو "سوء العلاقة الزوجية" المستمر، تمكن الدفاع من دحض هذا الزعم عبر استدعاء شهود نفي مؤثرين، أبرزهم "الجار الملاصق" للشقة محل الواقعة، الذي شهد قاطعاً بعدم سماع أي خلافات طوال 17 عاماً، مؤكداً طيب العلاقة، وهو ما أيدته شهادة والدة المتهمة الأولى نفسها.
الضربة القاضية (بطلان الإجراءات): ولم يتوقف الجهد الدفاعي عند موضوع الدعوى، بل امتد لشرعية الإجراءات. حيث تم الدفع ببطلان القبض
على المتهم الثاني، بعد أن كشف الدفاع عن ثغرة إجرائية خطيرة تمثلت في قيام ضباط مباحث "الجيزة" بمأمورية للقبض عليه في محافظة أخرى ("الفيوم") دون إذن قضائي صحيح أو تنسيق قانوني سليم. وتأسيساً على القاعدة الأصولية الراسخة "ما بني على باطل فهو باطل"، تم هدم أي دليل أو اعتراف مستمد من هذا القبض الباطل.
على المتهم الثاني، بعد أن كشف الدفاع عن ثغرة إجرائية خطيرة تمثلت في قيام ضباط مباحث "الجيزة" بمأمورية للقبض عليه في محافظة أخرى ("الفيوم") دون إذن قضائي صحيح أو تنسيق قانوني سليم. وتأسيساً على القاعدة الأصولية الراسخة "ما بني على باطل فهو باطل"، تم هدم أي دليل أو اعتراف مستمد من هذا القبض الباطل.
[الخلاصة] تُعد هذه القضية درساً عملياً بليغاً في أن "أوراق الدعوى الجنائية لا تُؤخذ دائماً بظاهرها، وأن خلف كل سطر حكاية قد تغير مجرى العدالة". لولا الحس القانوني اليقظ الذي جمع بين التدقيق العميق في الدليل الفني (نسبة الكحول) والتمسك الصارم بصحة الإجراءات الشكلية (الاختصاص المكاني)، لربما ضاعت الحقيقة بين طيات سيناريو محبوك ولكنه غير حقيقي.
والسؤال للزملاء: هل صادفتم في مسيرتكم المهنية قضية كان "الدليل الفني المستتر" فيها هو كلمة السر التي نسفت تحريات المباحث؟هل لديك استفسار قانوني؟
مكتب محمد السلنتي للمحاماة مستعد لتقديم المشورة والدعم القانوني في قضاياكم.
📞 للتواصل المباشر: 01080777839 - 01222663539
📍 دمياط - فارسكور
