فن الإلقاء (الجزء 1) — من فضاء البلاغة العربية إلى خشبة المسرح الإنساني

 


بطاقة الكتاب وسياقه:

  • اسم الكتاب: فن الإلقاء

  • المؤلف: عبد الوارث عسر

  • ميدان المعرفة: الفنون المسرحية والدرامية، علوم الصوت والنطق، البلاغة والأدب المقارن.

  • ظروف تأليفه ومكانته: يمثل هذا السفر خلاصة تجربة مسرحية وفنية امتدت لعقود طويلة لأحد رواد فن الأداء في العالم العربي، حيث سعى المؤلف إلى تأصيل فن الإلقاء تأصيلاً عربياً ينطلق من عبقرية مخارج الحروف وبلاغة التراث، ويصلها بتقنيات المسرح ومناهج الأداء المعاصرة.

خريطة الطريق: يضم كتاب «فن الإلقاء» بنية متكاملة تتوزع عبر مقدمة، وتمهيد، وبابين رئيسيين يشتملان على أربعة فصول رئيسية حافلة بالمباحث التطبيقية والتحليلات العميقة (مقدمة، تمهيد للتعريف بفن الإلقاء، الباب الأول: في تاريخ الإلقاء ويشمل: الفصل الأول: الإلقاء عند العرب، والفصل الثاني: الإلقاء عند الأوروبيين؛ والباب الثاني: قواعد النطق ويشمل: تمهيد، والفصل الأول: مخارج الحروف وصفاتها، والفصل الثاني: التركيز والسكتات والتمبو). وفي هذا الجزء الأول من رحلتنا، نسير مع المؤلف في مدخله التأسيسي والتاريخي متتبعين نشأة الإلقاء وبلاغة الكلمة المنطوقة عند العرب، وأسرار الفن التمثيلي وتطوره في المسرح الأوروبي.

🚪 المحطة الأولى: مقدمة وتمهيد — فلسفة الكلمة بين الفطرة والصنعة

يستهل المؤلف رحلته بوضع اليد على جوهر الإلقاء بوصفه ليس مجرد نطق جاف للألفاظ، بل هو إتمام للصورة التمثيلية في أبعادها النفسية والحركية. يستحضر عسر أولى خطواته على خشبة المسرح عام 1917 حين وقف ممثلاً دوراً صامتاً خلف شخصية الكاردينال في فرقة جورج أبيض، ليتولد لديه السؤال المعرفي حول سر النطق العربي وقدرته التعبيرية.

ينطلق التمهيد من التأصيل الوجودي للبيان الإنساني عبر قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}؛ فالإنسان ناطق بطبعه، وتوضيح اللفظ يتطلب إدراكاً دقيقاً لمخارج الحروف وصفاتها حتى لا يلتبس حرف بحرف أو معنى بمعنى. ويفرق المؤلف تفريقاً دقيقاً بين "العلم" و"الفن"؛ فالقواعد والقوانين تمثل الهيكل والجسد، بينما تظل الفطرة الفنية المرهفة هي الروح السارية فيه. إن الإفراط في تطبيق القواعد الجافة دون حس شاعري يحول النطق إلى اقتلاع متكلف للحروف، بينما يصقل العلم الموهبة الكامنة وينميها لتجمع بين جلاء الصوت وجمال الأثر.

🚪 المحطة الثانية: الفصل الأول (الباب الأول) — الإلقاء عند العرب وبلاغة الحادثة

ينتقل بنا المسار إلى عمق التاريخ العربي، متتبعاً لحظة انبثاق قواعد النطق في أواسط القرن الأول الهجري مع حركة القراء لحفظ النص القرآني من انحراف الألسنة ودخول اللحن. كانت هذه القواعد اللغوية سبباً فريداً حفظ النطق الصوتي التاريخي للسان العربي، على عكس لغات قديمة اندثرت كيفيات نطقها الصحيح.

يشرع المؤلف في تفكيك ظاهرة غياب المسرح التقليدي عند العرب رغم براعتهم الفائقة في سائر الفنون القولية والتصويرية؛ معيداً ذلك إلى اعتزازهم الشديد ببلاغتهم الخاصة واستغنائهم بالمديح والهجاء عن التراجيديا والكوميديا اليونانية. ويعرض لتقاليد الخطابة والإنشاد في أسواق العرب مثل عكاظ وذي المجاز، حيث كان الإلقاء وتلوين النغمات الصوتية عمدة التأثير في جماهير تألف الجدل والمفاخرة.

يتوقف السرد عند "دستور الجاحظ" في كتابه «البيان والتبيين»، مستنبطاً منه القوانين الحاكمة للأداء التمثيلي الحديث:

  • مراعاة أقدار المعاني: موازنة الكلام مع أقدار السامعين وحالات المقامات.

  • الأمانة الدرامية للهجات: التحذير من رواية نوادر الأعراب باللحن، أو أداء نوادر العوام بالألفاظ الفخمة والمخارج السَّرية؛ لأن ذلك يفسد الصدق الدرامي.

  • أجرومية الكلمة وأجرومية الحادثة: الممازجة بين البناء اللغوي والبناء المشهدي، وتوظيف فنون البديع والبيان (كالاستعارة والمجاز والطباق) في بناء الموقف وحركة الشخوص.

ثم يعبر بنا المؤلف إلى فضاءات الشعر والقصة عند ابن أبي ربيعة، ومقامات الحريري، وكتاب «البخلاء»، متوقفاً بإعجاب أمام عبقرية أبي حيان التوحيدي في تحليل النفس الإنسانية وتفلسف الضحك والعدوى الوجدانية، ليثبت أن التراث العربي يمتلك ذخائر أصيلة تغذي الأداء الصادق قبل تنظيرات الغرب بقرون.

🚪 المحطة الثالثة: الفصل الثاني (الباب الأول) — الإلقاء عند الأوروبيين وتحولات الواقعية

يمضي بنا الكتاب في مبحثه التاريخي المقارن، مؤصلاً لجذور المسرح الأوروبي التي تلقت روافدها الأولى من مصر القديمة عبر الطقوس الدينية وتمثيلية «القصة المقدسة» (إيزيس وأوزوريس) التي دونها هيرودوتس.

يتتبع الفصل مسار تطور الأداء الصوتي:

  • المسرح الإغريقي: ارتباط البدايات بالنشيد والتغني المنغم في احتفالات باكوس، ثم انتقال الإلقاء تدريجياً إلى الرصانة الكلاسيكية الفخمة مع تراجيديات إيسخولوس وسوفوكليس ويوربيديس.

  • العصور الوسطى والصبغة الدينية: استمرار النبرة الخطابية المفخمة لتناسب فضاءات الكنائس وأبهاء القصور وقصص القديسين.

  • عصر النهضة والكوميديا النقدية: انكسار القالب الكلاسيكي والاتجاه نحو البساطة الواقعية التي تعبر عن لغة الحياة اليومية وقضايا الجماهير.

  • تحديات العصر الحديث: ظهور الميكروفون وأجهزة التسجيل الإذاعي والسينمائي، وما فرضه إيقاع العصر السريع من ضرورة التوازن الدقيق بين الاقتصاد في الجهد العضلي وسلامة مخارج الحروف الرنانة دون تهاون أو استرخاء مخل.

⚖️ ميزان الأثر والجدوى

يكشف هذا الجزء من الكتاب عن بصيرة رائدة تجعل من دراسة تاريخ الإلقاء مدخلاً لفهم الوعي الإنساني والتحولات الاجتماعية؛ فالصوت ليس أداة ميكانيكية معزولة، بل هو مرآة للهوية الثقافية والنفسية. تتجلى الجدوى المعرفية في تحرير الدارس من التبعية الصامتة للقوالب المستوردة، ودعوته لبناء أداء عربي فصيح يستند إلى تراث بياني عميق يجمع بين جلال الفكرة وصدق التعبير الحركي والوجداني.

📌 درة الكتاب: «الصوت الإنساني ليس مجرد أداة لإسماع الكلمات، بل هو روح الشخصية ونبض وجدانها؛ فإن لم تمزج الصنعة برهافة النفس، تحول النطق إلى قعقعة ألفاظ لا حياة فيها ولا أثر».

🌱 خاتمة وبصيرة الرحلة

وقفنا في هذه المرحلة على الأرضية التاريخية والفلسفية التي شيدها المؤلف، مستشعرين عظمة الكلمة المنطوقة حين تتضافر فيها بلاغة الفكرة مع صدق النغمة الصوتية. لقد رأينا كيف تتلاقى العصور في البحث عن الصوت المعبر الذي يلامس دخائل النفس، ممهدين بذلك الطريق للدخول في تفاصيل الصنعة وتشريح المخارج وقوانين التنغيم الموسيقي.

انتظروا الجزء الثاني لاستكمال الرحلة عبر باقي محطات وفصول الكتاب...