رسالة المحاماة (الجزء 2) — المحاماة والحركة الوطنية وتاريخ النضال الدستوري

 


استكمالاً لرحلتنا في [رسالة المحاماة — الجزء الثاني]، ننتقل من أروقة التأصيل المهني والحصانة الإجرائية لنعايش صفحات الباب الثاني: المحاماة والحركة الوطنية والحياة السياسية، حيث يرصد المؤلف رجائي عطية ملحمة تلاحم فرسان الكلمة والقانون مع شريان الحركة الوطنية وتأسيس الدولة الدستورية في مصر والعالم.

🚪 المحطة الأولى: ريادة الحقوقيين للمد الوطني وتجارب الأمم

يستهل المؤلف الباب برصد ظاهرة تاريخية عالمية ومحلية جلية؛ وهي تصدر المحامين والحقوقيين لمواقع الزعامة والثورات وبناء النظم السياسية والدستورية. يستعرض إحصاءات الباحث الأمريكي دونالد ريد في دراسته حول المحامين والسياسة، مبيناً أن أكثر من ثلثي رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية حتى ستينيات القرن العشرين كانوا من المحامين، ممتداً إلى ريادة المحامين للثورات الكبرى كروبسبير في فرنسا، ولينين في روسيا، والمهاتما غاندي في الهند الذي أرسى أسطورة المقاومة السلمية وقض مضاجع الاحتلال. كما يتتبع أثر الحقوقيين في المشرق العربي من الشام والعراق ومصر في صياغة الفكر القومي والصحافة السياسية ومقاومة الاستبداد.

🚪 المحطة الثانية: جيل الرواد وبواعث الحركة الوطنية المصرية

ينقلنا الكتاب إلى مصر الحديثة، حيث كان زعماؤها الكبار جميعاً من المحامين والحقوقيين. تبدأ الملحمة بالزعيم الخالد مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية ومؤسس الحزب الوطني القديم، الذي درس القانون وارتدى روب المحاماة خصيصاً ليجعل من المرافعة منصة لقضية بلاده. ويخلفه محمد بك فريد الذي ضاقت وظيفة النيابة بطموحاته الوطنية فاستقال وانخرط في المحاماة باذلاً ثروته وجهده في سبيل القضية الوطنية رغم ما لاقاه من حزن والده الذي كان يرى في ترك النيابة وقتئذ تضحية بمقام الوظيفة الرسمية. ويتوالى العقد الفريد بسعد زغلول، وعبد العزيز فهمي، وأحمد لطفي السيد، وتوفيق الحكيم، ويحيى حقي، ومحمد مندور، ممن صاغوا وجدان الأمة تشريعاً وفكراً وأدباً.

🚪 المحطة الثالثة: الوزارات الائتلافية وصراع الشرعية الدستورية

يتتبع المؤلف بتدقيق توثيقي ممتد التشكيلات الوزارية المصرية من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين (مستنداً لمراجع التاريخ القومي للرافعي ودراسات د. يونان لبيب رزق). ويكشف التحليل أن المحامين والحقوقيين كانوا القوام الصلب والعماد الأكبر لجميع الوزارات المتعاقبة؛ سواء في وزارات حسين فخري باشا، أو محمد سعيد باشا، أو حسين رشدي باشا، أو يوسف وهبة، ومحمد توفيق نسيم. ويبرز الكتاب الدور التاريخي ليحيى باشا إبراهيم الذي ضرب المثل في نزاهة الانتخابات حين سقط فيها شخصياً وهو رئيس للوزراء، وصمم على الاستقالة الفورية لتمكين الأغلبية الشعبية من الحكم، متوجاً عمل وزارته بإصدار دستور 1923 التاريخي.

🚪 المحطة الرابعة: وزارة الشعب وملحمة الوفد ضد التدخل الأجنبي

يعايش القارئ تشكيل وزارة الشعب التاريخية برئاسة زعيم الأمة سعد زغلول عام 1924، والتي ضمت صفوة رجال القانون والمحاماة: مصطفى النحاس، ومرقص حنا، وواصف بطرس غالي، والغرابلي، وأحمد ماهر. ويسرد الكتاب وقائع الصدام الدائم مع سلطات الاحتلال البريطاني، ودفاع المحامين المستميت عن استقلال الإرادة الوطنية في مواجهة الإنذارات البريطانية والمؤامرات الملكية عقب اغتيال السردار، وما تلاها من وزارات أحمد زيوار، وعدلي يكن، وعبد الخالق ثروت، وصولاً إلى وزارات مصطفى النحاس باشا السبع، التي خاضت معارك إلغاء الامتيازات الأجنبية وتثبيت دعائم الحكم البرلماني وإلغاء دستور 1930 الاستبدادي والعودة لدستور 1923.

🚪 المحطة الخامسة: تلازم المحاماة مع بناء الدولة وصياغة التشريعات

يختتم المؤلف رصده التاريخي بتبيان أن حضور المحامين في الوزارات ورئاسة المجالس النيابية (مجلسي الشيوخ والنواب) لم يكن طلباً لمنصب أو جاه، بل كان استجابة لحاجة الأمة إلى عقول مدربة على الصياغة المحكمة، والجدل المنطقي، واستخلاص الحقوق. لقد كانت المذكرات والمرافعات السياسية التي صاغها أحمد ماهر، ومكرم عبيد، وإبراهيم عبد الهادي، ومحمد حسين هيكل، وفؤاد سراج الدين، وعلي ماهر، امتداداً طبيعياً لمرافعاتهم أمام منصات القضاء؛ فالمحامي بطبيعته مفطور على النضال ومقارعة الحجة بالحجة دفاعاً عن حقوق المجموع وحريات الوطن.

⚖️ ميزان الأثر والجدوى المهنية

يقدم الباب الثاني بعداً تأصيلياً يرفع من وعي المحامي الممارس:

  1. استيعاب الجذور الدستورية: إدراك أن النصوص القانونية والدستورية الحالية ليست محض صياغات جامدة، بل هي ثمرة نضال مرير قاده المحامون في ساحات المحاكم والبرلمانات والشارع الوطني.

  2. شرف الانتماء لرسالة الأمة: تعزيز عقيدة المحامي بأن رسالته تتجاوز الخصومة الفردية بين طرفين لتستوي واجباً عاماً في الذب عن الشرعية وسيادة القانون وحماية الحريات العامة.

  3. تكامل الممارسة الفقهية والسياسية: استلهام تجارب الرعيل الأول في توظيف الدقة القانونية والبيان الرصين لخدمة القضايا المجتمعية الكبرى دون الهبوط إلى المهاترات الفئوية.

📌 درة الكتاب: "المحاماة ليست حرفة استرزاق تنعزل عن قضايا المجتمع، وإنما هي ضمير الأمة الحي وحصن حريتها.. وإذا كان القضاء هو لسان العدل الممسك بالقسطاس، فإن المحاماة هي الطاقة النضالية المبدعة التي تسعى لإنارة الميزان وحماية الوطن من عسف الجور والاستبداد".

🌱 خاتمة وبصيرة الرحلة

تنتهي رحلتنا بين دفتي كتاب "رسالة المحاماة" لرجائي عطية، وقد رسخ في الوجدان يقين لا يتزعزع بأن المحاماة رسالة فروسية وذمة ووقار، تعلو بالكلمة الصادقة، وتتحصن بالضمانات الدستورية، وتلتحم بآمال الشعوب في العدل والحرية، ليبقى المحامي في محراب العدالة شعلة يقظة ورائداً هادياً بالحق وبه يعدل.