بيع الضمائر في أسواق الزور.. حين تنحرف رسالة الدفاع عن جادتها





هل يملك المرء أن يشتري براءة زائلة بثمن خسران أبدي؟ وكيف يستقيم في عقل رجل يحمل لواء العدالة أن يجعل من الإفك سبيلا إلى النجاة، ومن الكذب ذريعة إلى الظفر بالخصومة؟

إن أقدس ما في ساحات القضاء ليس جدرانها المشيدة ولا منصاتها العالية، بل تلك الهيبة المعقودة بطلب الحقيقة والذب عن المظلوم. غير أن الأنفس قد تصيبها غواية الشهرة أو بريق المكسب العاجل، فتنسى أن المحاماة رسالة شرف وأمانة إلهية قبل أن تكون صناعة أو مهارة.

عثرة على عتبة الطريق

تناهى إلى سمعي مقطع مرئي تداوله بعض المحامين، يظهر فيه مشتغل بالقانون وهو يلقي بحديث يدمي فؤاد كل غيور؛ إذ كان يخاطب جمعا من الشباب على عتبة المهنة، فيبسط لهم أمر الاستعانة بـ "شاهد زور" لتبرئة ساحة المتهم، مصورا هذا الجرم الشنيع كأنه مهارة دفاعية أو حيلة إجرائية مبررة!

لقد استعظمت هذا الطرح واستبشعته، ليس فقط لشناعة الفعل في ذاته، بل لأن هذا السم الزعاف ينفث في عقول ناشئة غضة تبحث عن القدوة، وتستشرف أولى خطواتها في محراب العدالة. كيف يجرؤ موجه على غرس بذور الفساد في أفئدة لا تزال بيضاء نقية، ويدعوهم إلى سلوك درب خبيث أوله خيانة الضمير وآخره سواد الوجه في الدنيا والآخرة؟

قداسة الدفاع.. نبل الغاية وطهارة الوسيلة

إن مهنة الدفاع لم تكن يوما مهنة استرزاق أعمى؛ بل هي ولاية أخلاقية شرفها الله عز وجل حين نسب جوهرها إلى ذاته العلية في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38].

فالمحامي ظل المظلوم ولسانه الناطق، وملاذه حين تلتوي به السبل وتعصف به النوائب. وحين تكون الغاية نبيلة وهي نصرة الحق وإرساء القسط، فمن المحال أن تبلغ بوسائل مدنسة بالخيانة والمكر. فالوسيلة المشروعة هي وحدها التي تلد غاية شريفة، أما استجلاب الكذب واختلاق البهتان فما هو إلا هدم لأركان العدالة من حيث يدعي صاحبها البناء.

شاهد الزور في ميزان الشرع والقانون

لم تحارب الشريعة الإسلامية خلقا من أخلاق السوء كما حاربت الكذب والتزوير؛ وقد قرن نبي الهدى ﷺ شهادة الزور بأعظم الموبقات. ففي الحديث المتفق عليه، جلس رسول الله ﷺ وكان متكئا فقال: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ» فما زال يكررها حتى قال الصحابة ليتَه سكتَ، إشفاقا عليه من شدة ما تملكه من الغضب والاستبشاع لهذا المأثم العظيم.

أما في ميزان القانون الوضعي، فإن الاستعانة بشاهد الزور أو تحريضه ليست مجرد مخالفة مسلكية تقتضي اللوم والتأنيب، بل هي جريمة جنائية مكتملة الأركان تسمى "الاشتراك في شهادة الزور والتحريض عليها وتضليل العدالة"، وهي جناية تسقط عن مرتكبها رداء المحاماة وشرف الانتماء إليها، وتطوق عنقه بعار العقوبة الجنائية ومهانة السجن. إن حق المتهم في الدفاع مكفول بنصوص الشرائع وضمانات القوانين، ولكنه مقيد بحرمة الصدق وأصول النزاهة؛ فالمحامي يدافع لضمان تطبيق صحيح القانون وتوفير المحاكمة العادلة، لا لسرقة براءة زائفة بأيمان فاجرة.

الدرة الوقائية: ما تصنع إذا ضاقت بك الحيلة؟

  • استمسك بالحقائق وتجريد الأدلة: تكمن براعة المحامي الأصيل في دقة تمحيص الأوراق، وفحص الثغرات القانونية، ومناقشة شهود الإثبات وكشف تناقضاتهم بالمنطق السديد، لا باختلاق شهود العدم.

  • البراءة التي تأتي بالإثم هي عين الإدانة: إذا كان الموكل مدانا يقينا، فواجب المحامي هو البحث عن موجبات الرأفة القانونية والظروف المخففة، لا تحويل المجرم إلى بريء على حساب ضياع حقوق المجني عليهم.

  • صيانة السمعة رأس مال لا ينفد: إن جنيه حلال تكسبه بضمير يقظ وبرهان صادق، خير وأبقى من قناطير تكسبها بتزييف الحقائق والتدليس على القضاة.

إلى فرسان العدالة الصاعدين.. وصية من القلب

يا شبابنا الصاعد وريحانة المستقبل في محراب القانون: إياكم والارتداد على أعقابكم في أول مسعاكم! لا تخلعوا رداء التقوى من أجل إرضاء موكل أو كسب دعوى عابرة، واعلموا أن من استهان بالكذب صغيرا جرأه الشيطان على عظائم الموبقات كبيرا.

اتقوا الله في حقوق العباد وسرائركم؛ فنحن أصحاب رسالة إنسانية نبيلة، غايتنا معاونة القضاء في بلوغ الحقيقة وحراسة ميزان العدل. اجعلوا ضمائركم يقظة، وألسنتكم بالصدق ناطقة، وكونوا حصنا منيعا للحق لا مطية للباطل، فما طاب كسب قامت أركانه على الزور، وما فلح امرؤ باع دينه وضميره بدنيا غيره.

هل لديك استفسار قانوني؟

مكتب محمد السلنتي للمحاماة مستعد لتقديم المشورة والدعم القانوني في قضاياكم.

📞 للتواصل المباشر: 01080777839 - 01222663539
📍 دمياط - فارسكور