سياج الكلمة: أين ينتهي النقد المباح ويبدأ السب والقذف على الإنترنت؟


يقف المرء أحيانا خلف شاشته الصغيرة متوهما أن الفضاء الرقمي ساحة بلا أسوار، وأن حرية الرأي تمنحه صكا مفتوحا لقول ما يشاء فيمن يشاء. يكتب تعليقا غاضبا، أو يشارك منشورا لاذعا، أو يوجه اتهاما صريحا لشخص أو مؤسسة، ظنا منه أنه يمارس حقه الدستوري والطبيعي في التعبير والنقد، حتى يجد نفسه فجأة مطلوبا أمام جهات التحقيق بتهمة السب، أو القذف، أو بث خطاب يحض على الكراهية.

هنا تتجلى المفارقة المؤلمة: كيف تحولت الكلمة من وسيلة بيان وإصلاح إلى جريمة يعاقب عليها القانون؟ وأين يقف الخيط الرفيع الذي يفصل بين إبداء الرأي المشروع والاعتداء المعاقب عليه؟

حين يضل القلم طريقه: فهم الفارق الجوهري

حرية التعبير ليست حقا مطلقا بلا ضوابط، بل هي حرية مقيدة باحترام حقوق الآخرين وكرامتهم وسلامة المجتمع. وفي المقابل، فإن النقد البناء هو جوهر الرقابة الشعبية وأداة تقويم الأداء العام والخاص، لكنه يختلف جذريا عن الجرائم اللفظية في المبتغى والمسار:

  • النقد المباح: هو تقييم موضوعي ينصب على "العمل" أو "الفكرة" أو "الأداء" أو "المنتج"، بهدف إظهار العيوب والسعي للإصلاح، مستندا إلى وقائع صحيحة ولغة متزنة، دون أن يمس شخص صاحب العمل أو كرامته.

  • السب: هو كل تعبير يتضمن خدشا للشرف أو الاعتبار أو حطا من قدر الشخص دون إسناد واقعة معينة إليه، كاستخدام الشتائم والأوصاف المهينة والألفاظ النابية.

  • القذف: هو إسناد واقعة محددة إلى شخص لو صحت لأوجبت عقابه قانونا أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه (مثل اتهام شخص بالسرقة أو الرشوة أو التزوير علنا دون دليل رسمي).

  • خطاب الكراهية: هو كل قول أو نشر يهدف إلى التحريض على العنف أو التمييز أو العداء ضد فئة معينة بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو الانتماء، وهو يتجاوز النزاع الفردي ليهدد السلم المجتمعي ككل.

بين فحص الأداء وتجريح الأشخاص

القاعدة الفاصلة التي استقر عليها الفقه والقضاء في تمييز النقد عن الجريمة تدور حول "محل النقد".

حين تقول مثلا: "هذا القرار الإداري معيب وفيه إهدار للمال العام بسبب سوء التخطيط الهندسي الموضح في التقرير"، فأنت تمارس نقدا مباحا ينصب على القرار والخلل الفني.

أما حين تقول: "صاحب هذا القرار فاسد ولص وخائن للأمانة"، فقد تحولت من ناقد للعمل إلى قاذف للشخص، وجعلت من نفسك خصما يواجه عقوبة القذف والتشهير، حتى وإن كان عمله ينطوي على أخطاء جسيمة. فالقانون لا يعطي الأفراد سلطة توجيه الاتهامات الجنائية جزافا على منصات التواصل الاجتماعي.

العلانية الرقمية: مضاعفة الأثر والمسؤولية

يغيب عن بال كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي أن النشر الإلكتروني يحقق ركن "العلانية" بأوسع معانيه وبأشد صوره خطورة؛ فالمنشور أو التعليق لا يزول بمجرد إغلاق الصفحة، بل يظل شاهدا وموثقا، وتتسع رقعة انتشاره بضغطة زر.

كما أن إعادة نشر محتوى مسيء (Retweet / Share) قد تضع صاحبها تحت طائلة المساءلة القانونية باعتباره مساهما في إذاعة الإساءة والتشهير، إذ لا يعفي القانون الناشر من المسؤولية بحجة أنه "ناقل للخبر" دون تثبت.

📌 نصيحة السلنتي الذهبية: قبل أن تضغط زر النشر أو التعليق، طبق قاعدة الفلاتر الثلاثة لحماية نفسك:

  1. انقد "الفعل" ولا تهاجم "الفاعل": ركز على الخطأ، السياسة، الخدمة، أو الفكرة، ولا تصف شخص صاحبها بألفاظ تقلل من قدره أو تجرح عرضه.

  2. امتنع عن إسناد التهم: لا تنسب لأحد جريمة أو واقعة ماسة بالشرف ما لم يكن بيدك حكم قضائي بات ونهائي، فالحديث عن الشبهات علنا قذف يعاقب عليه القانون.

  3. التزم بلغة الاعتدال: تذكر أن الغضب لا يبرر الإساءة، وأن توثيق الشكوى عبر القنوات الرسمية والرقابية يحفظ حقك، بينما نشر التجريح على وسائل التواصل يقلب وضعك من صاحب حق إلى متهم بالتشهير.

خاتمة

إن الكلمة أمانة ومسؤولية، وعظمة حرية الرأي تكمن في قدرتها على البناء دون هدم، والإصلاح دون تجريح، والبيان دون عدوان. والواعي حقا هو من يمارس حقه بشجاعة ونزاهة، ويدرك أن حدود حريته تنتهي عند حرمة الآخرين، وأن قوة حجته في وضوح منطقه لا في قسوة تجريحه.